أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
331
شرح مقامات الحريري
المقامة الثامنة والعشرون وهي السّمرقنديّة حدّث الحارث بن همام قال : استبضعت في بعض أسفاري القند ، وقصدت به سمرقند ؛ وكنت يومئذ قويم الشّطاط ، جموم النّشاط ، أرمي عن قوس المراح ، إلى غرض الأفراح ، وأستعين بماء الشّباب ، على ملامح السّراب ، فوافيتها بكرة عروبة ، بعد أن كابدت الصّعوبة ، فسعيت وما ونيت ، إلى أن حصل البيت . فلمّا نقلت إليه قندي ، وملكت قول عندي ، عجت إلى الحمّام على الأثر ، فأمطت عنّي وعثاء السّفر ، وأخذت في غسل الجمعة على الأثر . * * * استبضعت : اتخذت بضاعة . القند . عسل السكر . [ سمرقند ] وسمرقند : بلد عظيم من بلاد خراسان ، غزاها ملك من ملوك اليمن اسمه شمر ، فملكها وهدمها فسمّيت شمركند ، بمعنى خرابة شمر ، ثم عرّبت فقيل : سمرقند ، وأهلها السّغد . وفي رواية أنه لما انتهى إلى السّغد قاتلهم أياما تحوّلوا إلى مدينتهم فحاصرهم حولا حتى افتتحها عنوة ، فقتل منهم وسبا وهدمها ، ثم ثاب له رأي ، فأمر ببنائها ، فبنيت خيرا مما كانت ، ثم أمر بصخرة فبنيت عند بابها ، وكتب عليها : هذا بناء ملك العرب لا العجم ، شمر الملك الأشمّ . ووحد في سورها لوح من نحاس فيه كتاب ، وهو : « هذا ما أمر ببنائه شمر » ، وقد تقدّم أن فرغانة من أعمالها التي هي آخر خراسان ، وبين سمرقند وبغداد ستة أشهر ، وتقدم أن مدينة سمرقند من أحسن بلاد اللّه تعالى ، ولما أشرف قتيبة ابن مسلم عليها ، فرأى ما أدهشه لإفراط حسنها . قال : كأنها السماء في الخضرة ، وكأنّ قصورها النجوم والزهرة ، وكأن أنهارها المجرّة . * * * قوله : قويم الشّطاط ، أي معتدل القامة : جموم النّشاط ، أي كثير القوة والخفة . والمراح : النشاط . والأفراح : جمع فرح ، وماء الشباب : نضارة الفتوّة ونعمة الصبا . ملامح السراب : مواضع يلمح السراب فيها ، أي يلمع ويظهر ، فأراد أنه استعان بقوّة فتوّته على قطع الصحراء . وافيتها : أتيتها .